الشهيد الثاني
183
الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية
على الوظائف والمدارس ، وبذل لي ما اختاره ، وأكد في كون ذلك في الشام أو حلب ، فاقتضى الحال أن اخترت منه المدرسة النورية ببعلبك لمصالح وجدتها ، ولظهور أمر الله تعالى بها على الخصوص ، فأعرض لي بها إلى ( السلطان سليمان ) وكتب لي بها براءة ، وجعل لي في كل شهر ما شرطه واقفها ( السلطان نور الدين الشهيد ) ( 1 ) . وبعد بقاء ( الشهيد ) في القسطنطينية مدة ثلاثة أشهر ونصف عزم على التجول في ربوع البلاد الرومية ، والاستزادة من تجارب الحياة التي كان الشهيد لا يدع فرصة للحصول عليها ، فسافر إلى مدينة تسمى ( اسكدار ) وهي مقابلة لمدينة القسطنطينية يفصل بينهما البحر ، واجتمع في هذه المدينة برجالات علمية كبيرة كعادته ، ومن بين هؤلاء رجل هندي له فضل ومعرفة بفنون كثيرة منها الرمل والنجوم ( 2 ) . زيارة العتبات المقدسة في العراق : دام سفر شيخنا الشهيد في البلاد الرومية ما يقرب من تسعة أشهر تجول خلالها في كثير من مدنها ، واتصل بكثير من علمائها وأعيانها ووجهائها ، وأخذ بغيته من العلوم والمعارف المتنوعة ، وكتب كتابات دقيقة جدا عن المدن التي زارها مما يدل على حبه الشديد للاستطلاع أينما حل حتى أنه لم ينس أن يذكر مناخ المدينة ، وأنواع أثمارها ، وبعض عادات أهلها . . . وما إلى ذلك من الأمور التي اعتاد استقصاءها أولئك الرجال الأفذاذ الذين ينظرون إلى كل شئ بنظر دقيق عميق .
--> ( 1 ) رسالة ابن العودي ( مخطوطة ) . ( 2 ) المصدر السابق .